وجود الانسان بين الحرية والحتمية

human_existence_freedom_inevitability
         يعد موضوع وجود الانسان بين الحرية والحتمية قضية اساسية شغلت بال الانسان عبر العصور، نظرا لارتباطها بفهم حقيقة الوجود الانساني وادراك دوافع سلوكه بهدف تحديد مسؤوليته عن أفعاله. وقد اختلفت طرق تناول موضوع "وجود الانسان بين الحرية والحتمية" ومرجعياتها من ثقافة إلى أخرى، بل من مفكر او فيلسوف إلى اخر. ويرجع سبب هذا الاختلاف حول تمتع الانسان بالحرية أو خضوعه للحتمية والضرورة الى كونه موضوع معقد من جهة، وطرحه لعدة مفارقات أهمها: ان الانسان يعتقد انه كائن حر قادر على اختيار مصير وتعديل سلوكاته بما يتناسب مع إرادته الخاصة وبذلك يتحمل مسؤولية أفعاله كاملة، لكن من جهة أخرى يخضع الانسان لسلسة من الضغوطات والاكراهات والقوانين تتحكم في سلوكاته وترسم مصيره بشكل مخالف لإرادته، وبذلك يعتبر غير مسؤول عن تصرفاته. فهل يتمتع وجود الانسان بحرية كاملة ومطلقة، أم أنه خاضع للحتمية والضرورة؟ هل يتمكن الانسان من اختيار مصيره وتحديد أفعاله بإرادة وحرية، ام أن مصيره محدد قبل وجوده؟ وهل وجود القوانين الطبيعية والوضعية يحد من الحرية أم يضمنها؟

- وجود الانسان بين الحرية والحتمية في الفكر الاسطوري اليوناني:
         اهتمت بعض الاساطير اليونانية القديمة بقضية الحرية والحتمية لكنها استخدمت اسلوبا قصصيا بلاغيا يهدف الى الاقناع برأي تقرره الاسطورة من خلال سرد أحداثها. ومن أبرز الاساطير اليونانية التي اهتمت بهذا الموضوع نجد أسطورة أوديب، التي تمحورت حول صراع الانسان مع الاقدار، ويمكن اختيار مشهدين أساسيين من اسطورة اوديب يؤكدان غياب الحرية لدى الانسان وخضوعه لحتمية القدر. يتمثل المشهد الاول في رفض الملك لايوس تقبل مصيره من خلال امره قتل الطفل اوديب بعدما سمع خبر العرافين أن الطفل سيقدم على جريمة قتل الاب والزواج من الام، غير أن إرادة الملك لايوس لم تفلح في تغيير المصير المشؤوم، فقد سارت الامور بخلاف ما خطط له، وتمكن الطفل اوديب من النجاة والاستمرارية في الحياة. أما المشهد الثاني فيتجلى في رفض الطفل اوديب تقبل مصيره عندما سمع من العرافين انه سيقوم بالجريمة السالفة الذكر، إذ حاول الهرب من المدينة التي كبر فيها تجنبا لاقدامه على جريمة قتل الاب والزواج من الام، ورغم ذلك لم ينجح أوديب في هروبه من القدر. إذ انتصر عليه القدر فالتقى بأبيه وقتله ثم دخل مدينة طيبة وتزوج بأمه.

         إن أسطورة اوديب اختارت جريمة مقززة تتمثل في قتل الاب والزواج بالام، وهي جريمة سيرغب جميع الناس من كل المجتمعات في تجنبها والهروب منها ومحاولة تغيير المصير تفاديا للوقوع فيها. غير أن احداث القصة وحبكتها الممتعة والمشوقة توجهنا نحو الاقتناع ان الانسان رغم محاولته الهروب من قدره فإنه لا يفلح في ذلك، فكما يقول المثل: لا يغني الحذر عن القدر.وبذلك تقرر الاسطورة اليونانية ممثلة في قصة اوديب غياب الحرية لدى الانسان، وخضوعه للحتمية والضرورة.

- وجود الانسان بين الحرية والحتمية في الفكر الاسلامي:
ibn_rochd_human_freedom_inevitability
            ارتبط موضوع الحرية والحتمية في الفكر الاسلامي بالاعتقاد الديني، حيث لجأت الفرق الاسلامية الى اعتبار أن حرية الانسان او خضوعه للحتمية يقتضي ادخال مسألة القضاء والقدر من جهة، واعتماد مسألة علم الله من جهة ثانية ثم قضية الثواب والعقاب من جهة ثالثة. فالقول بالحرية الكاملة يترتب عنه عدم الاعتراف بالقضاء والقدر، وعدم علم الله بالجزئيات، واقتصاره على الكليات فقط، ثم مسؤولية الانسان الكلية عن جميع افعاله وبذلك يستحق الثواب إن وافقت افعال الواجبات الدينية، ويستحق العقاب إن كانت أفعاله مخالفة لتلك الواجبات. أما القول بالحتمية وغياب الحرية فيؤكد فكرة القضاء والقدر ومسألة علم الله بالكليات والجزئيات غير انه يطرح مشكلة مسؤولية الانسان عن أفعاله وفقدان مسألة الثواب والعقاب لكل معنى.

- الحرية والحتمية في العلوم الانسانية:

Sigmund_Freud_human_freedom_inevitability
        غير أن العلوم الانسانية أعادت طرح مسألة وجود الانسان بين الحرية والحتمية من الناحية النفسية والاجتماعية، إذ تؤكد معظم ابحاث العلوم الانسانية على غياب الحرية لدى الانسان وخضوعه لحتميات وضرورات اجتماعية ونفسية لا شعورية، حيث اعتبر علماء الاجتماع ان الفرد يخضع لتنشئة اجتماعية تجعل كل سلوكاته مشروطة اجتماعيا وخاضع لضوابط المجتمع والثقافة (الاخلاق والدين والقانون والعادات والتقاليد...). بينما اكد مدرسة التحليل النفسي مع فرويد على أن الانسان خاضع لدوافع لاشعورية تتحكم في كل سلوكاته، واعتبر ان اللاشعور ينقسم الى الانا الاعلى المتمثل في قيم الثقافة ومبادئ الاخلاق ثم الهو الذي يتجسد في الرغبات والشهوات والغرائز والطموحات التي لم يتم تحقيقها وتتطلب الاشباع. وإجمالا تؤكد العلوم الانسانية على غياب الحرية لدى الانسان وخضوعه لحتميات نفسية واجتماعية.

- الحرية والحتمية في الفلسفة الوجودية:

jean_poul_sartre_human_freedom
         لكن الفلسفة الوجودية المعاصرة تبنت تصورا مخالفا، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر يعتبر أن للانسان حرية كاملة ومطلقة تمكنه من اختيار مصيره وتعديل سلوكاته بحسب ارادته. لقد اعتبر سارتر أن حياة الانسان بمثابة مشروع يبنيه من خلال اختياراته وافعاله، وبذلك يكون الانسان مسؤولا عن مصيره وأفعاله. إن الحرية المطلقة التي يعترف بها سارتر لا تدل على الفوضى او العشوائية، بل هي حرية واعية ومسؤولة. إن الاعتراف بحرية الانسان الكاملة هي ما يمنح للانسان كرامته، وما يعطي لحياته، معنى. وقد بين سارتر ان عدم قدرة الشخص على تغيير مسار الاحداث التاريخية والاجتماعية لا يرجع الى غياب الحرية لدى الانسان وإنما مرده الى اشتراك الذات مع الغير في تفاعل يتميز بتعارض القوى واختلاف التوجهات. إن حرية الانسان هي حرية ملتزمة بقضايا كرامة الانسان والمبادئ التي تضمن وجود متوازن يخدم المصالح المشتركة.

      نخلص الى أن قضية وجود الانسان بين الحرية والحتمية مسألة مهمة لكل شخص، وجوابها يترتب عليه تحديد تصور الذات للوجود وطريقة تصرفها فيه.
شاركه على جوجل بلس

الكاتب Ziton master

    تعليقات الموقع
    تعليقات الفيس بوك

0 comments:

إرسال تعليق